ذِكرُ اللّه جَهرًا واجْتماعًا

وسيلة من وسائل التزكية والإحسان

 

        بقلم : فضيلة الشيخ شبير أحمد الصالوجي / حفظه اللّه

   مدير الجامعة الإسلامية دارالعلوم زكريا جنوب إفريقيا

  

 

  

 

 

       لقد بَعَثَ الله تعالى لإصلاح عباده وتربيتهم وإرشادهم أنبياء ورسلاً كثيرين، خاتمهم وأعظمهم وأحبُّهم : محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه كتابه الأخير الكامل: القرآن الكريم الذي هو مصدر أصيل للهدى والإرشاد للنوع الإنساني إلى يوم القيامة .

       يمكن لنا أن نستخرج من هذين الأمرين: بعثة الأنبياء والرسل وإنزال الكتاب أنَّ عباد الله يحتاجون – بجانب الإرشاد العلمي – إلى الإرشاد التربوي، أو بتعبير آخر أنهم يحتاجون إلى "رجال الله" كما يحتاجون إلى "كتاب الله".

       فقد قال الله في شأن أغراض بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهدافها : "كَما أَرْسَلْنَا فِيْكُمْ رَسُوْلاً مِنْكم يَتْلُوْ عَلَيْكُم آياتِنَا وَيُزَكِّيْكُم وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، ويُعَلِّمُكُمْ مَالَمْ تَكُوْنُوا تَعْلَمُونْ" (البقرة:151).

       وقال: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (آل عمران:164)

       وقال : "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (الجمعة:2).

       في ضوء الآيات المتقدَّم ذكرها، نستطيع أن نقول: إنَّ أغراض النبوة والرسالة وأهدافها أربعة أمور، بُعِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقًا لها:

       الأول: تلاوة آيات الله وقراءتها مع مراعاة مخارج الحروف وصحة أدائها والمحافظة على كيفيتها .

       الثاني: تزكية النفوس من الأدواء والأهواء، وتطهيرها من أنواع الشرك والمعصية، وتحليتها بكريم الأخلاق وحميد الصفات .

       الثالث: تعليم كتاب الله وبيان معانيه .

       الرابع: تعليم حِكَم كتاب الله وأسراره ولطائفه ودقائقه ومصالحه .

       إنَّ تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق لها أهمية كبرىٰ من بين أغراض بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهدافه ؛ فقد صدَّرها بذكر تلاوة آيات الله، وثنّاها بذكر تزكية النفوس ، مما يدل على أهميتها دلالةً واضحةً ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكِّدًا أهمية تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق: بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق .

       ولاريب أنّ صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتربيته وتزكيته أحدثت انقلابًا عظيمًا في مجال تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق، انقلابًا لايوجد له نظير في التاريخ؛ فقد ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وزكاهم من أدواء الجاهلية و ومعايبها وتقاليدها، فإذا هم آية في الخلق، ومثال للإخلاص ، ونموذج حيّ لتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد شهد القرآن بذلك فقال:

       "وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" (الحجرات:7).

       وقد وصَفَ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وصفًا جامعًا بليغًا ، حيث قال:

       "أبر النّاس قلوبًا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا" .

       ثم إنه لما تباعد العهد عن مشكاة النبوة ضعفت القيم الأخلاقية، وضعفت كيفية استحضار ذات الله وصفاته، واستحضار عواقب الخير والشر، ونشأت عوامل سياسية وأخلاقية واقتصادية، مما جعل علماء الأمة وحملة الشريعة يسلكون مسالك متعددة في تحقيق مقاصد النبوة الأربعة عملاً بمبدأ قسمة العمل. ومازالت ولاتزال تحظى الأمة الإسلامية في كل عصر بشخصيات وعلماء كاملين نشطوا في مجالاتهم حسبما أملى عليهم ذوقهم ومواهبهم ومقتضيات عصرهم، فمنهم من اضطلعوا بأعباء تلاوة القرآن، وهم حفظة القرآن وقراؤه ومجودوه؛ ومنهم من اشتغلوا بتعليم كتاب الله وحكمته، وهم أئمة الدين والفقهاء المجتهدون والأصوليون والمحدثون ؛ ومنهم من قاموا بتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق، وهم أهل التزكية والإحسان. كلُّهم اشتغلوا في مجالاتهم وقاموا بخدمات جبَّارة حتى أصبح كل مجال شعبة وفنًا بعينه. كذلك أصحاب التزكية والسلوك والإحسان اجتهدوا في مجالهم وجعلوه فنًا مستقلاً، واستخرجوا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرته أساليب متنوعة من ذكر الله و تسبيحه وقراءة الأدعية المأثورة .

       ومن هذه السلسلة الذهبية مشائخ الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند وعلماءها الذين اشتغلوا في المجالات الأربعة أداءً لما عليهم من مسؤولية نيابة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلافته، وإن كانت تفاوتت عنايتهم بالمجالات الأربعة بناءً على مقتضيات العصر ومتطلباته، وحكمة الله وتوفيقه، ومبدأ قسمة العمل، إلا أنهم قاموا بأعمالٍ جليلةٍ في مجال التزكية والإحسان، وهي واضحة وضوحَ الشمس في رائعة النهار، واستخرجوا رأسًا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين أساليب التزكية والإحسان وطرق الإصلاح والإرشاد، ولم يحيد في ذلك عن الصراط المستقيم قيد أنملة، وقاموا بكل ذلك ابتغاءً لمرضات الله، وترسيخًا لعظمته وكبريائه في القلوب، وتحبيبًا إليها الإيمان، وتزكية لها من الفسوق والعصيان.

       ومن أسالبيهم هذه ذكرالله جهرًا وسرًا وانفرادًا واجتماعًا، وقد اصطلحت الأمة على ثبوت ذكر الله فرادىٰ وسرًا من القرآن والسنة، كذلك ثبت ذكر الله اجتماعًا وجهرًا من الكتاب والسنة ثبوتًا واضحًا، وحيثما جاء النهي عن الذكر جهرًا أو اجتماعًا وجهرًا فذلك لأسباب معينة. على هذا فلايُبَدَّعُ الذكر جهرًا واجتماعًا ولا ينهى عنه على الإطلاق .

       لاريب أنّ الصلاة أفضل الذكر إلا أنه ينهى عن أدائها في أوقات مخصوصة لأسباب مخصوصة. والبدعة في الشرع أمر لم يثبت من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة والقياس، ويمارس كعبادة وأمر من أمور الدين .

       على هذا فلا يُبَدَّع أمر من الأمور المتجهد فيها، ولا ينكر عليه فضلاً عن أمر ثبت من كتاب الله وسنة رسوله بدلائل كثيرة، وعمل به العلماء الربانيون في كل عصر.

       في مثل هذه الظروف والأوضاع التي منيت فيها الأمة الإسلامية بالافتراق والانقسام، ونفقت فيها سوق الكفر والإلحاد، والاضطراب النفسي، والفوضي الفكرية، ورغبات الجسد وشهوات النفس، والابتعاد عن الله؛ وتكونت العقلية المادية، وانهارت القيم الإنسانية – في مثل هذه الظروف المليئة بالفتن كيف يُبَدَّع أسلوب من أساليب الإصلاح والتربية، بعث الناس على الخشوع والخضوع في صلواتهم، وعلى التضرع والابتهال في دعواتهم، وعوّدهم محاسبة نفوسهم، وغرس حب الله ورسوله في قلوبهم، وساعدهم على النزاهة في معاملاتهم، وعلى الصدق والأمانة وأداء حقوق العباد وكبح جماح النفس، وأبعدهم عن الرذائل من الحسد والكبر والبغض والعداوة وحب الجاه وحب المال ؟!

       من لايعرف أنّ التحلية بالفضائل والتخلية عن الرذائل أمر مقصود في الشرع، ووسائله وأسبابه – إذا لم تكن منهيا عنها – أمر مقصود ومحمود كذلك ؟ نعم قد يُنْكَرُ على أمر مباح سدًّا للذرائع، وعملاً بمبدأ "درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح" إلا أنَّ أمرًا ثبت من الكتاب والسنة، ورغّب فيه الشرع كيف يُبَدَّع وينهى عنه؟ فإن كان أحد يدعي أنه مجتهد فعليه أن يسلك في عمله وفتواه مسلكاً يراه حقًا ، وماهو مسؤول عنه فيما بينه وبين الله، ويحترز عن إنحاء اللائمة على الأمة كلها أوعلى موقف مجتهد آخر.

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . جمادى الثانية  1429هـ = يونيو  2008م ، العـدد : 6  ، السنـة : 32.